سميح عاطف الزين
232
التفسير الموضوعي للقرآن الكريم
وقد تنزّل الملك بالآيات البينة ، التي تدل على الخالق ، الذي خلق الإنسان وعلّمه ما لم يعلم ، كما في هذا التعليم الذي بدأ به الوحي على محمد صلّى اللّه عليه وآله وسلّم . . وإذا كان أمر النبوة عظيما ، وعبئها ثقيلا ، والجبلة البشرية ضعيفة ، فإن محمدا صلّى اللّه عليه وآله وسلّم قد أفاق من نومه وفي نفسه ثقل العبء العظيم ، خاصة وأنه لا يرى أمامه الملك الذي استقرأه ، ولا أحدا غيره . . أفاق وخرج من الغار فإذا المكان كله ، كما يعهده من الصفاء ، والسكون ، والصمت الرهيب . ولمّا لم يجد أحدا نزل يريد العودة إلى مكة . حتى إذا صار وسط الجبل إذا بصوت كأنه قصف الرعد ، يشق عنان السماء وهو يستوقفه ويقول له : « يا محمد ! أنت رسول اللّه ، وأنا جبريل » « 1 » . فأي ملك هذا الذي يراه ؟ إنه على صورة رجل قد سدّ الخافقين ، فلا ينظر في أية ناحية في الآفاق الشاسعة من السماء إلّا ويراه فيها . . بل إنه يتطلع إليه فإذا هي الصورة نفسها المحببة إليه ، التي رآها في المنام عندما أمره أن يقرأ باسم ربه الخالق الكريم ، العظيم . وثبت في مكانه لا يتقدم ، ولا يتأخر ، وجبرائيل الملك على حاله في آفاق السماء حتى انصرف عنه . . غرق محمد صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ، وهو في وقوفه ، في بحار التفكير . . ولكنه قلّب الأمر على مختلف وجوهه فكان لا يأتيه إلّا الجواب القاطع : إنه الحق . . إنه الوحي من اللّه تعالى يتنزل به جبرائيل الأمين ، فلا يتلقاه في رؤياه الصادقة في المنام وحسب ، بل وجهرا ، وفي اليقظة . . وإنه
--> ( 1 ) السيرة النبوية لابن هشام ، م 1 ص 253 .